سعيد حوي

2057

الأساس في التفسير

وكما لفت نظرهم إلى التفكر في ملكوت السماوات والأرض ، مما يوصل إلى التوحيد فكذلك يلفت نظرهم مرة أخرى إلى ما يوصل إلى التوحيد ، وكيف أن ما يوصل إلى التوحيد وصل ببعض الناس إلى الشرك . فذكر أنه هو الذي خلق جميع الناس من آدم ، وأنه خلق منه زوجه حواء . وأنه خلق منهما كل الأزواج . وأن هؤلاء الأزواج إذا مارسوا ما خلقه الله فيهم وما هيأهم له مما فيه بقاء الجنس أنهم في شوقهم إلى الولد ، وفي حالة رهبهم من مسخه أو حظره ، كانوا يطلبون من الله ويعدون الله من أنفسهم الشكر ، فإذا ما أعطاهما الله ما أرادا قابلاه بالشرك . وتعالى الله أن يكون له شريك في ملكه وسلطانه وفي ألوهيته وربوبيته . ومن خلال ما مر ويمر نلاحظ أن هذا القسم يعرض قضية الضلال والهداية بلغة العزة وجبروت الجلال ، وهذا مظهر من مظاهر الإعجاز في القرآن ، أنك تشعر أن هذا القرآن يعرض ما يعرض ويظهر لك في كل ما يعرض آثار عزة الذات العلية القاهرة ، فلا تحس فيه آثار الضعف البشري لا في الدفاع ولا في الهجوم . ولنعد إلى عرض معاني القسم : فبعد أن بين الله عزّ وجل أن الإنسان يشرك مع وجود ما يستدعي منه التوحيد ، يناقش هؤلاء المشركين وينكر عليهم أن يشركوا معه غيره من مخلوقاته المربوبة له ، المصنوعة بقدرته ، التي لا تملك شيئا من الأمر ، ولا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تنتصر لعابديها ، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر . وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم ، سواء في ذلك الأصنام آلهة الوثنيين القدامى ، وكثير من المعاصرين ، أو الطبيعة كلها آلهة الملحدين ، ثم يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتحدى هؤلاء المشركين بأن تستطيع آلهتهم أن تكيده شيئا ، ثم أمره أن يعلن أن الله الذي أنزل عليه الكتاب هو يتولاه ، ويتولى الصالحين ، ومن تولاه الله فإن كل الخليقة لا تستطيع ضره إلا إذا شاء الله شيئا من ذلك ؛ لحكمة هو يعلمها ، ومن كان هذا شأنه في الغلبة والقهر والنصر فهو الإله الحق ، لا هذه الآلهة المزعومة التي لا تستطيع نصرا لأنفسها ولا لعابديها ، ولا تعي ولا تسمع ولا تبصر ، وبعد هذا النقاش للمشركين ، وإقامة الحجة عليهم يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم وأتباعه أربعة أوامر : الأمر الأول بالعفو ، والثاني فعل المعروف ، والأمر الثالث الإعراض عن الجاهلين ، والأمر الرابع الاستعاذة من الشيطان الرجيم ، وذكر الشيطان في آخر السورة تذكير ببدايتها . ثم بين الله تعالى أنه من رحمته بعباده المؤمنين المتقين ، أنه إذا وسوس لهم الشيطان شيئا فإنه